|
الإبل: إرث الأجداد يحرص عليه الأبناء في الإمارات
واحة
ليوا الإمارات العربية المتحدة عُرِفَت الجزيرة العربية منذ قديم الزمان بأنها
موطن الجمل العربي، حيث كانت الإبل وعلى مدى آلاف السنين جزءا لا يتجزأ من نسيج
الحياة بالنسبة للقبائل العربية بسبب قدرتها على الصبر والتحمل في ظل الظروف
الطبيعية والمناخية القاسية في الصحراء.
واليوم، وأمام زحف الحضارة الحديثة، تراجع دور الإبل في حياة سكان الجزيرة،
إلا أن البعض ما يزال متمسكا بها كجزء من التراث ووفاء لما درج عليه الأجداد.
سفينة الصحراء جعبة محمد الفندي المزروعي، أو أبو غانم، من القصص عن الأيام
الخوالي، بحلوها ومرها، معين لا ينضب.
ويستوي أبو غانم في جلسته في أرضه الواقعة على أحد المرتفعات الرملية في واحة
ليوا، ويلقي ببصره بعيدا على الكثبان الرملية التي تلوحها أشعة الشمس ممتدة على
امتداد البصر في عمق الصحراء، وهو ينبش من دفتر ذكرياته قصة رحلة قام بها قبل
نيف وخمسين عاما لنقل والده المريض على ظهور الإبل، أو "الركاب"، من قصر الحاكم
في أبو ظبي إلى واحة ليوا. ففي هذه الواحة الواقعة على تخوم الربع الخالي تقع
مضارب الفخذ الذي ينتمي إليه أبو غانم من قبيلة المزاريع المنتشرة في عدد من
دول الخليج وشرق أفريقيا. يقول أبو غانم: "أبي كان مريضا في أبو ظبي، عند الشيخ
شخبوط في القصر، حيث كان يتلقى العناية". واعتذر الوالد عن قبول عرض من مضيفه
لإرساله إلى الهند لتلقي العلاج، وقرر العودة إلى أهله وعائلته.
ويصف أبو غانم الرحلة قائلا: "وطلعنا على ركاب. ساعة نركب، على حسب قوة
الركاب. ومتى ما أحسسنا من أنفسنا التعب، أو أن المطية تعبانة، مشينا معها.
ونقيّل (أي نستظل ونستريح)، نطبخ غدانا في الطريق، ونتغدى". ويمضي إلى القول
بأنهم كانوا قد أخذوا معهم في رحلتهم تلك ناقة حلوبا "إسمها الروسة، لكي نحمل
الوالد عليها، ونحلبها للوالد، في طريقنا من أبو ظبي إلى ليوا". وقصة هذه
الرحلة ليست قصة انتقال من مكان إلى مكان فحسب، وإنما تختصر بتفاصيلها علاقة
القبائل العربية الوثيقة مع الإبل التي كانت تشكل بالنسبة لها وسيلة نقل، ورفيق
درب في هجير الصحراء الموحشة، ومصدرا للحم واللبن والوبر الذي يستخدم في نسج
البسط والملابس والخيام.
بين الماضي والحاضر وأصداء الرُّغاء والضبح والحنين والإرزام والإهجال، وهي
أصوات تصدرها الإبل، ما تزال تتردد حية اليوم هنا في واحة ليوا، وفي القفار
والفيافي المجاورة لها على أطراف الربع الخالي، حيث يعتبر بعض أبناء المنطقة
الإبل جزءا من تراث عريق يُعنَوْن به وفاء للأجداد. ويقول راشد بن محمد
المزروعي: "هذا تراث. تراث أجدادنا، وتراث أهلنا، ولازم نحن نحافظ عليه". ويكرر
مقولة اشتهر رئيس دولة الإمارات الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بتردادها:
"من ليس له ماض، ليس له حاضر". ويضيف: "نحن لا نهتم بالسيارات الرباعية الدفع
أو المدنية التي وصلت إليها الإمارات، مع أنه صحيح أننا نعتز بذلك. لكننا أيضا
نعتز بتراثنا وبالتراث العربي، أو التراث الإماراتي بالأحرى". وعلى غرار ما درج
عليه الأسلاف، ما يزال مربو الإبل يهتمون بوسمها عن طريق الكي لتحديد ملكية
القبائل للجمال، كما يعتنون بأسمائها. يقول راشد، مشيرا إلى وسم قبيلة المزاريع
الموشوم عن طريق الكي على القائمتين الأماميتين لإحدى النوق التي يمتلكها: "كل
جمل له إسم ونوسّمه. كل قبيلة لها وسم. فهذا الذي تراه هنا على أيديها هو وسم
قبيلة المزاريع". أما عن أسماء النوق، فهي عادة ما توحي بالجمال. يقول راشد:
"الناقة تُسمَّى بأسماء حلوة، مثلا وردة، أو تُسمَّى جميلة، أو تُسمَّى هملولة،
يعني الأسماء الحلوة".
ويضيف: "كما أن البنت تُسمَّى على اسم أمها، إذا أمها ماتت". "إذا حُلِبَت روت"
وقد ارتبطت الإبل ارتباطا وثيقا بالخير والعطاء في وجدان سكان البادية، كما
يتجلى ذلك من خلال بعض الأمثال المتداولة منذ قديم الزمان من قبيل: "إذا
حُلِبَت روت، وإذا نُحرت أشبعت، وإذا حملت أثقلت، وإذا مشت أبعدت". ورغم أن
البدو في الإمارات قد تحضروا في العقود الأخيرة، فإن حليب النوق ما يزال مفضلا
لديهم. ويحمد سلطان محمد سيف المزروعي، ابن الـ21 ربيعا، والذي يواظب على
القدوم كل عطلة نهاية أسبوع من أبو ظبي إلى ليوا ليرعى شؤون الإبل التي ورثتها
عائلته عن جده، يحمد الله على ما تقدمه الإبل لأصحابها من لحوم وألبان. وافتتان
العرب القدماء بالإبل الذي تمثل بكم هائل من الاسماء والأوصاف كناية عن أجناسها
وأنواعها، وما تشتهر به، يبقى حاضرا حضورا طاغيا عند سلطان. فيقول: "عندك
الحزمية مثل تلك السوداء، وعندك العمانية مثل هذه العمانية التي داخل الشبك.
وعندك الوَضْح، الوَضْح لونها يميل إلى البياض. وعندك العُمانية والتي يميل
لونها إلى الأحمر". وينوه بأنه يفضل النوق الحزمية والعمانية، موضحا بأن
"العُمانية زينة في اللبن. لبنها قليل وحلو، عسل. والحزمية لبنها كثير، وهو حلو
أيضا، ولكن ليس مثل لبن العُمانية. وبالنسبة للحم والله الحزمية، وللركوب
العُمانية. حتى ألله يرحمه الشيخ زايد كانت كل النوق التي عنده عمانيات".
وسلطان اليافع تحدوه روحه الممتدة جسرا للعبور بين الماضي والحاضر إلى الحرص
على معرفة أنواع الجمال وخصائصها وسلالاتها فحسب، وإنما إلى الإلمام بالأسماء
التي تطلق على كل مرحلة عمرية من مراحل نموها. ويقول: "الناقة لما تولد، أول
شيء يسمون المولود حوار. وبعد ما يكمل سنة، يسمونه مفرود. خلاص دخل سن المفرود،
فيُعزَل عن أمه. وبعدين يجيك لقي، وبعدين الحِق، وبعدين رباع، وبعدين ثني،
وبعدين سداس، وبعدين وأنت طالع فوق. وبعدين يفطّر". ويشرح معنى أن "تفطّر
الناقة" قائلا: "الناقة لمن تفطر يعني تكون كبرت في السن. مثل الحرمة يوم تكبر
في السن وخلاص ما تجيب عيال. والناقة نفس الشيء ما تجيب عيال خلاص، تدخل سن
اليأس". ومن خلال هذا الحرص على استحضار ما تختزنته الذاكرة عن الإبل يتسلل قلق
حيال مستقبل الإبل كجزء من قلق أكبر حيال تراث الماضي والأجداد. فعندما شد أبو
غانم الرحال قاطعا فيافي الصحراء وقفارها مع والده المريض في خمسينيات القرن
الماضي كانت أيام انفراد الجمل بدور سفينة الصحراء قد شارفت على نهايتها. ومن
يزور الصحراء اليوم يرى بأم العين أن سيارات الدفع الرباعي، وليس الإبل، باتت
هي سفينة الصحراء بلا منازع.
|